القرطبي

114

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا ) الدين : الطاعة والاخلاص . و " واصبا " معناه دائما ، قال الفراء ، حكاه الجوهري . وصب الشئ يصب وصوبا ، أي دام . ووصب الرجل على الامر إذا واظب عليه . والمعنى : طاعة الله واجبة أبدا . وممن قال واصبا دائما : الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك . ومنه قوله تعالى : " ولهم عذاب واصب ( 1 ) " أي دائم . وقال الدولي : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه * بدم يكون الدهر أجمع واصبا أنشد الغزنوي والثعلبي وغيرهما : ما أبتغي الحمد القليل بقاؤه * يوما بذم الدهر أجمع واصبا وقيل : الوصب التعب والاعياء ، أي تجب طاعة الله وإن تعب العبد فيها . ومنه قول الشاعر : لا يمسك الساق من أين ولا وصب * ولا يعض على شرسوفه الصفر ( 2 ) وقال ابن عباس : " واصبا " واجبا . الفراء والكلبي : خالصا . ( أفغير الله تتقون ) أي لا ينبغي أن تتقوا غير الله . " فغير " نصب ب‍ " تتقون " . قوله تعالى : وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجرون ( 53 ) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ( 54 ) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ( 55 ) قوله تعالى : ( وما بكم من نعمة فمن الله ) قال الفراء . " ما " بمعنى الجزاء . والباء في " بكم " متعلقة بفعل مضمر ، تقديره : وما يكن بكم . " من نعمة " أي صحة جسم وسعة رزق وولد فمن الله . وقيل : المعنى وما بكم من نعمة فمن الله هي . ( ثم إذا مسكم الضر )

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 64 . ( 2 ) الشعر لأعشى باهله . والشطر الأول من بيت ، والثاني من بيت آخر . والبيتان : لا يتأرى لما في القير يرقبه * ولا يعض على شر سوفه الصفر لا يغمز الساق من أين ولا نصب * ولا يزال أمام القوم يقتفر تأرى بالمكان : أمام به . والشر سوف : غضروف - كل عضم رخص يؤكل - معلق بكل ضلع مثل غضروف الكتف . والشقر ( بالتحريك ) : داء في البطن يصفر منه الوجه . وقيل : الصفر هنا الجوع . وافتقر الأثر : تتبعه .